صبحي الصالح
113
مباحث في علوم القرآن
وقوله تعالى : « قَدْ أَفْلَحَ » « 1 » بترك الهمزة ونقل حركتها من أول الكلمة الثانية إلى آخر الكلمة الأولى . وهو ما يسمى تسهيل الهمزة . وقوله تعالى : « لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، أَ لَمْ أَعْهَدْ » بكسر حرف المضارعة في جميع هذه الأفعال . وقوله تعالى : « حَتَّى حِينٍ » فالهذليون يقرءون : « عتى عين » بقلب حاء حتى وحين عينا . وقوله تعالى : « عليهمو دائرة السّوء » « ومنهمو من يلمزك في الصدقات » بإشباع ميم جمع الذكور في كلتا الآيتين . وقوله تعالى : « وَغِيضَ الْماءُ » بإشمام ضمة الغين مع الكسر . والحق أن هذا الوجه الأخير أهم الأوجه السبعة ، لأنه يبرز الحكمة الكبرى من إنزال القرآن على سبعة أحرف ، ففيه تخفيف وتيسير على هذه الأمة التي تعدّدت قبائلها فاختلفت بذلك لهجاتها ، وتباين أداؤها لبعض الألفاظ ، فكان لا بدّ أن تراعى لهجاتها وطريقة نطقها ، أما لغاتها نفسها فلا موجب لمراعاتها ، لأن القرآن اصطفى ما شاء بعد أن صهره في لغة قريش التي تمثلت فيها لغات العرب قاطبة « 2 » لا لغات قبائل معينة ينتصر لها بعض العلماء بتعسف لا يؤيّده دليل عقلي ولا نقلي . ذلك بأن العرب حين استصفوا لهجة قريش وجعلوها لغتهم الأدبيّة المشتركة أثروا فيها مثلما تأثروا بها ، فصدق على لهجة قريش ما يصدق على اللغات جميعا من قوانين التأثر والتأثير ، وهي قوانين لا تكاد تتخلف إذا درسنا اللغة على أنها ظاهرة إنسانية « 3 » .
--> ( 1 ) سورة المؤمنون 1 ( وانظر البرهان 1 / 320 ) ومثله « قل أوحي » سورة الجن 1 « وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ » سورة البقرة 14 . ( 2 ) ولذلك عقد البخاري في صحيحه بابا لنزول القرآن بلسان قريش والعرب قرآنا عربيا بلسان عربي مبين . فضائل القرآن 6 / 182 . ( 3 ) انظر كتابنا « دراسات في فقه اللغة » 109 ، الطبعة الأولى .